العمل قبل السكن للتنمية الناجحة
ديسمبر25

alt

أ.د.: علي رأفت

Prof. Dr.: Aly Raafat

لماذا أصبحنا غير واعين لمستقبل العمران في مدننا؟ لماذا نسير في الأحياء المزدحمة والجاذبة للإستثمار فنرى غابات من العمارات الملتصقة التي تحجب الشمس والسماء عن المشاه في الطريق. تكاد الأبراج أن تطبق على السائر في أغلب شوارع المدينة والتي قفلت عن المرور بعد أن ملأتها السيارات المنتظرة على صفين أو ثلاث؟ وما يثير الدهشة أن الأبراج مازالت صاعدة إلى أعلى ولا أحد ينذر من عواقب ذلك على الخدمات من مياه ومجاري وكهرباء وهي ما نصرخ من الشكوى من إنقطاعها أربع وخمس مرات في اليوم. كما لا نجد من ينزعج من عواقب ذلك النمو الشيطاني على شوارع لم تخطط خدماتها الأساسية إلا لفيلات أو على الأكثر لعمارات من ثلاث أو أربع طوابق.

وقد رأينا فيما مضى إحتراماً للقانون من سفارة من السفارات ألغت مشروعها لمساكن لطلابها بميدان المساحة بالجيزة لأنها منعت من البناء بأعلى من أربع طوابق. هذا القانون الخاص بالبناء حول هذا الميدان أُحترم كشرط من شروط البناء في مشروعات تقاسيم الأراضي والجمعيات التعاونية في مدن الأوقاف والدقي ومصر الجديدة وغيرها. هذه القوانين سرعان ما إخترقت بالمعارضات التي ترفع شعار التساوي بين قوانين تقسيم الأراضي وقوانين الأراضي الحرة. ويكفي فيها تجاوز واحد لتعميم التساوي في الحقوق. وسرعان ما تختفي أيضاً قوانين المحافظة على المباني ذات القيمة وأعراف التوافق والإنسجام مع الجار أمام قوانين فتحت نصوصها فرص إختراقها.

وفي تقديرنا أن أكثر من ثلثي وحدات العمارات الشاهقة الملتصقة خاوية من أي سكان!! ماذا سيحدث عندما يعود مشترو هذه الوحدات لوطنهم من عملهم بالخارج ليشغلوا وحداتهم المشتراه من عشرات السنين في إنتظار عودتهم أو زواج أبنائهم لينتقلوا يومياً إلى مصادر عمل مازالت في وسط المدينة مع خدمات قاصرة عن إستيعابهم. 

وعلى النقيض نجد أن الهيئات الحكومية التي تصرح ببناء الأبراج السكنية المتلاصقة تخطط على أرشد وأحدث المبادئ التخطيطية في مصر للمستقبل في مناطق التنمية في العشر أقاليم المصرية ومنها على سبيل المثال الساحل الشمالي الغربي في منطقة العلمين وظهيرها في منخفض القطارة وإقليم قناة السويس والمثلث الذهبي سفاجا – القصير – قنا وغيرها. وقد هيأت لكل إقليم مكوناته الثلاث المتوازية بترتيبها السليم مبتدئة بمصادر العمل ثم الإسكان والخدمات .

هيأت في الأول مناطق للسياحة العالمية مع جودة المنتج السياحي وتفوقه ومد مدة الإستغلال السياحي لطوال العام حين تكون الأجواء في أوربا وأمريكا غير مرحبة. كما هيأت لزراعتها بمصادر الري من الأمطار والمياه الجوفية وتحلية مياه البحر كما خططت للصناعة التي تعتمد على المنتج الزراعي لمعلبات غذائية ومحاصيل وفواكه كالتين والزيتون. كما خطط للمنطقة مجمع عمراني ومركز سياحي عالمي بالعلمين مع تنمية زراعية واعدة لمنخفض القطارة. وللإقليم الثاني حول قناة السويس التحويلية خططت الدولة لإقامة المواني والصناعات ومراكز صيانة ومخازن لإعادة التغليف والتعبئة من الكونتينرات وخدمات لوجستية للسفن العابرة والمنتظرة للشحن والتفريغ. أما الإقليم الثالث فينتظره مستقبل لمساحات بحرية لميناء ومصايد للاسماك والتعدين لثروات الصحراء الشرقية وجبالها ووديانها. وقد وضعت خطط بخلاف هذه الأقاليم لسيناء وشمال ووسط وجنوب الصعيد وأقاليم الوادي الجديد والإسكندرية والدلتا والقاهرة الكبرى. جميعها ستنال حظها المتساوي مع برامج التنمية الشاملة. 

بالنسبة للعاصمة فقد بلغت ذروتها في التوسع والإمتداد شرقاً إلى البحر الأحمر مارة بالقاهرة الجديدة بمدنها العشرة والتي أضافت أحمالاً على مرور الطرق الموصلة بينها وبين قلب العاصمة لما تكتظ به من مصادر عمل وتعليم وترفيه ومكاتب حكومية ومباني ومصانع ومراكز تجارية لشركات القطاع العام والخاص. وقد وجهت هذه الأوضاع إلى التفكير في نقل المباني الحكومية لموقع بين القاهرة والسويس. هذا الإقتراح تتصارع عليه الآراء بين مشجع ومهاجم. ويبدو أن الرأي العاطفي نحو إستمرار العاصمة التي يمتد تاريخها لأكثر من ألف عام هو المتغلب رغم تضخم المشاكل القائمة. وقد أثار الإقتراح الشك في أن العاصمة الجديدة ستخفف من الضغوط على شوارع القاهرة القديمة علاوة على ما يتطلبه ذلك من تكاليف تنمية حكومة مستجدة وما يتبعها من مساكن وخدمات 

اليوم ما تحتاجه المدن الجاذبة كالقاهرة هو إيقاف إقامة مصادر العمل في وسط المدينة حتى لا تكون جاذبة للسكان. ومازال التقدم إلى تنمية مثمرة يتم بإنشاء مدن جديدة تابعة Satellite مع إنشاء مصادر عمل وخدمات من مصانع ومراكز تجارية وترفيهية ومدارس. وهكذا تصل التوابع إلى درجة معينة ومقبولة من الإستقلالية وذلك إستعداداً لإستقبال سكانها الدائمين. وقد إتجهت الحكومة إلى نقيض المطلوب بعرض قطع أراضي سكنية من مساحات ومستويات مختلفة لبناء فيلات وعمارات على مستوى فوق المتوسط في مواقع بالقاهرة الجديدة بها من المساكن الخالية ما يكفي. وقد كان من الأفضل تخصيص هذه القطع لمصادر عمل وخدمات حتى توفر للسكان المقيمين والقادمين إلى القاهرة الجديدة وتوابعها وسائل التنمية الشاملة مما يضمن لهم الكفاءة في إستغلال الوقت والراحة والأمن والأمان مع التمتع بالقرب المتقطع بخدمات مميزة بالمدن الأم.



إضافة تعليق

التعليقات

إضافة تعليق

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.



استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل
preload preload preload